في الذكرى المجيدة لـ ثورة 23 يوليو، تعود إلى الأذهان تلك القيم والمبادئ التي حملها قادة الثورة، وعلى رأسها العدالة الاجتماعية، وتمكين الفئات المهمشة، وتحقيق الكرامة الإنسانية لكل مواطن. واليوم، وبعد مرور أكثر من سبعين عامًا، نحتاج إلى استكمال هذه المسيرة التاريخية من خلال تطوير آليات الحماية الاجتماعية وتوسيعها لتشمل فئة لطالما ظلت في الظل، وهي المرأة المعيلة العاملة في الاقتصاد غير الرسمي.
و في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الدول النامية، أصبحت الحماية الاجتماعية أداة حيوية لضمان الأمن الاقتصادي والاستقرار المجتمعي، خاصة للفئات التي تعمل في الاقتصاد غير الرسمي. ومن بين هذه الفئات، تبرز المرأة المعيلة باعتبارها من أكثر الفئات هشاشة وتهميشًا. لذا، فإن توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل هذه الفئة لم يعد خيارًا بل ضرورة إنسانية وتنموية.
الاقتصاد غير الرسمي: القلب النابض للمجتمع المصري
يشير مصطلح الاقتصاد غير الرسمي إلى الأنشطة الاقتصادية التي تُمارس خارج نطاق التنظيم الحكومي الرسمي، دون تسجيل قانوني أو خضوع للضرائب أو التأمينات الاجتماعية. ويشمل هذا القطاع:
الباعة الجائلين
العمالة المنزلية
أصحاب المشاريع الصغيرة غير المسجلة
الحرفيين
العاملين بنظام اليومية أو العقود الشفوية
وتُقدّر نسبة العاملين في هذا القطاع في مصر بنسبة تصل إلى 60% من القوة العاملة، وهو رقم ضخم يعكس مدى اتساع هذا القطاع وأهميته في الاقتصاد الوطني، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن هشاشة الحماية المتوفرة للعاملين فيه، وخصوصًا النساء المعيلات.
المرأة المعيلة: واقع هش ومسؤولية مزدوجة
تشكل المرأة المعيلة نسبة كبيرة من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، وغالبًا ما تضطر للانخراط في هذا النوع من العمل لغياب الدعم الكافي، أو بسبب مسؤوليات الرعاية المنزلية التي تحول دون انخراطها في وظائف منتظمة.
تواجه المرأة المعيلة تحديات مضاعفة، منها:
انعدام التأمين الصحي أو التقاعدي
دخل غير منتظم
صعوبة الوصول إلى القروض أو التمكين الاقتصادي
التهميش الاجتماعي وضعف الصوت في السياسات العامة
ورغم ذلك، تظل هذه المرأة صامدة في مواجهة الحياة، معولة أسرتها ومساهمة بشكل فعّال في الاقتصاد القومي، دون أن تلقى التقدير أو الحماية المستحقة.
المرأة المعيلة ودورها في الاقتصاد غير الرسمي
تعد المرأة المعيلة من الركائز الأساسية داخل الاقتصاد غير الرسمي، حيث تضطر الكثير من النساء للعمل دون عقود رسمية أو تأمينات اجتماعية بسبب ضغوط الحياة ومسؤوليات الإعالة. وتشمل مظاهر هشاشة أوضاع المرأة المعيلة ما يلي:
غياب التأمين الصحي.
عدم وجود معاش تقاعدي.
ضعف الدخل.
التعرض للاستغلال أو التمييز.
ولأن النساء المعيلات يمثلن شريحة كبيرة من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، فإن تجاهل هذه الفئة يُعد خسارة اقتصادية واجتماعية لا يُستهان بها.
أهمية الحماية الاجتماعية للاقتصاد غير الرسمي
إن الحماية الاجتماعية ليست مجرد أداة دعم مالي، بل هي منظومة متكاملة تضمن كرامة الإنسان، وتحقق استقرار المجتمع، وتعزز من كفاءة الاقتصاد. ويمثل توسيع التغطية الاجتماعية للعاملين في الاقتصاد غير الرسمي ضرورة ملحّة للأسباب التالية:
تحقيق العدالة الاجتماعية – وهو ما نادت به ثورة يوليو منذ يومها الأول
مكافحة الفقر وعدم المساواة
تعزيز الإنتاجية الوطنية
تقليل التفاوت بين الجنسين
حماية الفئات الهشة من الأزمات الاقتصادية والصحية
آليات تطوير الحماية الاجتماعية وتوسيع التغطية للمرأة المعيلة
لضمان شمول المرأة المعيلة والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، يجب اعتماد حزمة من السياسات والإجراءات، أبرزها:
1. تسجيل شامل وذكي
إنشاء قاعدة بيانات وطنية للعاملين غير الرسميين
تسهيل التسجيل عبر تطبيقات الهاتف المحمول أو مراكز الخدمة المجتمعية
إعطاء أولوية لتسجيل النساء المعيلات
2. تحفيز الانضمام لمنظومة التأمينات
تقديم إعفاءات مؤقتة من الاشتراكات أو تخفيضها
توفير امتيازات مرتبطة بالتسجيل مثل العلاج المجاني أو الدعم النقدي
3. تصميم برامج حماية خاصة للمرأة المعيلة
تأمين صحي شامل لها ولأطفالها
دعم حضانات الأطفال للتمكين من العمل
معاشات مرنة أو دعم دوري في حالات الطوارئ
4. الشراكة مع المجتمع المدني
إشراك الجمعيات النسوية والمنظمات المجتمعية في التوعية والتنفيذ
دعم مبادرات محلية لرعاية المرأة المعيلة
5. دمج الحماية الاجتماعية ضمن الخطط القومية
ربط سياسات الحماية الاجتماعية بالرؤية التنموية للدولة
تضمين النوع الاجتماعي كمكون رئيسي في سياسات الدعم والتأمين
نماذج ناجحة عالميًا
للاستفادة من الخبرات الدولية، نذكر مثالين ملهمين:
البرازيل – برنامج “بولسا فاميليا”: دعم نقدي مشروط يستهدف الأسر الفقيرة التي تعولها نساء، مقابل التزام الأطفال بالتعليم والرعاية الصحية.
الهند – نظام الحماية للعاملات غير الرسميات: يشمل تغطية صحية وتمويلًا صغيرًا من خلال شراكة بين الدولة والمجتمع.
هذه النماذج تؤكد أن تحقيق التغطية الشاملة ممكن، بشرط وجود الإرادة السياسية وتكامل الجهود.
التوصيات المقترحة لتوسيع الحماية الاجتماعية للمرأة المعيلة
إصدار تشريعات واضحة تشمل العاملين غير الرسميين.
توسيع التغطية التأمينية لتشمل الرعاية الصحية والمعاشات.
تقديم قروض ميسرة ودعم مالي لمشروعات المرأة المعيلة.
تطوير حملات توعية لتعريف المرأة بحقوقها الاجتماعية.
تفعيل دور الإعلام في تعزيز ثقافة الحماية الاجتماعية.
ثورة يوليو… والواجب الوطني اليوم
إن ثورة 23 يوليو 1952 لم تكن فقط حراكًا سياسيًا، بل كانت ثورة من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، خاصة للطبقات العاملة والفئات المستضعفة. واليوم، يقاس وفاؤنا لمبادئ الثورة بمدى قدرتنا على حماية من هم خارج المنظومة الرسمية، وفي مقدمتهم المرأة المصرية المعيلة.
توسيع الحماية الاجتماعية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عمل وطني بامتياز، يعكس التزام الدولة بتمكين مواطنيها كافة، ويضمن بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة.
وفى الختام : من العدالة إلى الحماية… الطريق مستمر
لقد بدأت ثورة يوليو طريق العدالة الاجتماعية، لكن الطريق لا يكتمل إلا بـ توسيع الحماية الاجتماعية، وتطوير منظومات الدعم للفئات الهشة. تمكين المرأة المعيلة في الاقتصاد غير الرسمي هو الترجمة المعاصرة لمبادئ تلك الثورة الخالدة، وهو مسؤولية وطنية يجب أن تتصدر أولوياتنا اليوم.
إن الاستثمار في الحماية الاجتماعية للعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، وخاصة المرأة المعيلة، هو ركيزة أساسية للتنمية المستدامة وبناء مجتمع متماسك واقتصاد قوي. فكلما تم تمكين هذه الفئة، زاد الناتج القومي وقلّت نسب الفقر والهشاشة. لذلك، فإن تطوير آليات الحماية وتوسيعها لم يعد ترفًا، بل ضرورة ملحة لصناعة المستقبل.

