بقلم كوتش زاهيا السبخى استشارى تدريب وتنمية مهارات امين لجنة الحماية الاجتماعية بحزب الاصلاح والنهضة
مقدمة
أصبح موضوع العنف والتحرش في بيئة العمل من أبرز القضايا التي تهم العاملين وأصحاب العمل على حد سواء، لما له من تأثير مباشر على الصحة النفسية والإنتاجية. ومع صدور قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، تعززت الحماية القانونية ضد هذه الممارسات عبر نصوص صريحة وعقوبات واضحة، بالإضافة إلى التكامل مع قانون العقوبات لتحقيق الردع العام والخاص.
بل من أبرز القضايا التي تفرض نفسها بقوة على الساحة القانونية والاجتماعية. فالعامل أو العاملة لا يواجهون تحديات مهنية فقط، بل قد يصطدمون بسلوكيات مسيئة تمس كرامتهم وأمنهم النفسي والجسدي. هنا يتدخل كل من قانون العمل وقانون العقوبات ليضعا منظومة متكاملة لحماية العاملين وضمان بيئة عمل خالية من العنف والتحرش.
قانون العمل: التزامات واضحة نحو بيئة آمنة
قانون العمل المصري أرسى التزامًا أساسيًا على أصحاب الأعمال يتمثل في:
توفير بيئة عمل آمنة خالية من كل أشكال العنف والتحرش والتمييز.
إلزام المنشآت الكبرى بوضع سياسات وقواعد مكتوبة لحماية العاملين من أي ممارسات تهدد أمنهم النفسي والجسدي.
أولًا: العنف والتحرش في قانون العمل الجديد
قانون العمل الجديد أدخل للمرة الأولى تعريفات دقيقة للعنف والتحرش والتنمر في بيئة العمل، ونص على حظرها بشكل قاطع.
التحرش: أي سلوك أو إشارة ذات طبيعة جنسية أو فاحشة ضد العامل، سواء مباشر أو عبر وسائل التكنولوجيا.
التنمر: كل فعل يهدف إلى تخويف أو إقصاء أو تحقير العامل بسبب الجنس أو العرق أو الإعاقة أو غيرها.
العنف: أي سلوك بدني أو نفسي يضر بحقوق العامل أو يهدد سلامته.
ثانيًا: العقوبات الواردة في قانون العمل الجديد
لضمان الردع، نص القانون على عقوبات واضحة تشمل:
الغرامات المالية: المادة (281) تعاقب المخالف بغرامة من 5,000 إلى 50,000 جنيه، وتتضاعف العقوبة عند التكرار.
المسؤولية الإدارية: تشمل المسؤول عن الإدارة الفعلية في المنشأة.
إمكانية إغلاق المنشأة في حالة المخالفات الجسيمة.
ثالثًا إلى جانب قانون العمل، يلعب قانون العقوبات دورًا حيويًا من خلال:
لم يترك المشرّع هذه الجرائم للقانون العمالي فقط، بل أدرجها ضمن قانون العقوبات أيضًا:
المادة 306 مكررًا أ و306 مكررًا ب: تُجرّم التحرش الجنسي وتعاقب عليه بالحبس والغرامة.
العقوبة قد تصل إلى السجن المشدد إذا وقع التحرش من صاحب سلطة وظيفية أو أسرية.
فأن تجريم التحرش في مواده الأخيرة وتغليظ العقوبة على من يرتكب هذه الجريمة سواء في أماكن عامة أو خاصة، بما فيها مكان العمل.
تشديد العقوبات على الأفعال التي تهدد الأمن والسلامة الجسدية للعاملين، مثل الاعتداء أو التهديد أو التنمر.
منح المتضرر الحق في اللجوء إلى القضاء الجنائي، بما يشكل ردعًا عامًا يقي المجتمع من تكرار مثل هذه الجرائم.
رابعًا: التدابير الوقائية لبيئة عمل آمنة
قانون العمل الجديد لم يكتفِ بالعقوبات بل ألزم أصحاب العمل بإنشاء بيئة آمنة من خلال:
وضع سياسات مكتوبة لمكافحة التحرش والعنف.
تدريب العاملين والمديرين على طرق الوقاية والإبلاغ.
توفير آليات سرية وآمنة للشكاوى.
ضمان حماية المبلغين من أي إجراءات انتقامية.
خامسًا: لائحة الجزاءات كآلية إلزامية للشركات
من أبرز ما جاء به القانون إلزام الشركات بإعداد لائحة جزاءات داخلية واضحة تنظم العقوبات التأديبية في حالات العنف أو التحرش أو التمييز.
هذه اللائحة تُعتبر جزءًا أساسيًا من لوائح العمل.
فتضمن سرعة الردع داخل المؤسسة نفسها دون انتظار الإجراءات القضائية.
و تعكس التزام الشركة ببيئة عمل آمنة تحترم حقوق العاملين.
ان فرض وجود لائحة جزاءات ملزمة تنص صراحة على العقوبات التأديبية لكل من يثبت تورطه في سلوكيات عنف أو تحرش.
و هذا يضمن أن مكان العمل ليس فقط موقعًا للإنتاج، بل أيضًا بيئة تحترم الحقوق وتحمي الكرامة
سادسًا: أهمية مواد العقوبات والردع
تحقيق الردع الخاص: من خلال معاقبة الجناة داخل بيئة العمل.
تحقيق الردع العام: عبر نشر ثقافة أن التحرش والعنف جرائم لا تمر دون عقاب.
تعزيز الثقة بين العاملين والإدارة.
تحسين سمعة المؤسسات وزيادة إنتاجيتها نتيجة توفير بيئة آمنة وعادلة.
سابعًا: آلية التفعيل على أرض الواقع
رغم أن النصوص القانونية في قانون العمل الجديد وقانون العقوبات تمثل خطوة مهمة، إلا أن نجاحها يعتمد على آليات التطبيق الفعلي داخل المؤسسات وسوق العمل. ومن أبرز آليات التفعيل:
تشكيل لجان داخلية في المؤسسات لتلقي الشكاوى والتحقيق الفوري في أي انتهاك.
التنسيق مع وزارة العمل والمفتشين لضمان الرقابة على بيئات العمل.
إطلاق برامج تدريبية لتعريف العاملين بحقوقهم وكيفية الإبلاغ عن أي حالة تحرش أو عنف.
استخدام التكنولوجيا (منصات إلكترونية أو صناديق شكاوى ذكية) لضمان السرية وحماية المبلغين.
إجراءات تصعيد تدريجي تبدأ من الجزاءات الإدارية داخل الشركة وصولًا إلى العقوبات القانونية في حال ثبوت المخالفة.
آليات التفعيل على أرض الواقع
القوانين وحدها لا تكفي، وإنما تحتاج إلى تفعيل عملي داخل المؤسسات. ومن أبرز آليات التفعيل:
توعية العاملين بحقوقهم وواجباتهم من خلال ورش عمل ودورات تدريبية.
تشكيل لجان داخلية لتلقي الشكاوى والتحقيق في حوادث العنف والتحرش بسرية وحيادية.
إعلان سياسات مكتوبة في أماكن العمل لضمان أن الجميع على دراية بالإجراءات والعقوبات
ثامنًا: دور مدونة السلوك في تعزيز بيئة العمل الآمنة ومنع العنف والتحرش
تُعتبر مدونة السلوك إحدى الأدوات المكملة لتفعيل نصوص القانون على أرض الواقع، حيث تضع معايير سلوكية واضحة يجب أن يلتزم بها جميع العاملين. إذ تعتبر بمثابة دليل عملي وإجرائي يحدد:
تلعب مدونة السلوك دورًا محوريًا في تعزيز هذه المنظومة، القيم التي تلتزم بها المؤسسة توضيح القيم المؤسسية: مثل الاحترام، المساواة، وعدم التمييز والنزاهه .
تحديد السلوكيات المحظورة: التحرش، التنمر، الإساءة اللفظية أو الجسدية.
الإجراءات التفصيلية للتعامل مع أي شكوى تخص العنف أو التحرش والردع: توضح خطوات الإبلاغ والجهات المختصة بالتحقيق.
ربط المدونة بلائحة الجزاءات: بحيث تُطبق العقوبات مباشرة على من يثبت مخالفته.
تعزيز ثقافة وقائية: من خلال التوعية والتدريب المستمر على مضامين المدونة.
آليات المتابعة والمساءلة لضمان التطبيق الفعلي وليس الشكلي.
وجود مدونة سلوك معلنة ومفعلة داخل المؤسسات يعزز الثقة بين الإدارة والعاملين، ويجعل بيئة العمل أكثر أمانًا وإنتاجية.
وبذلك تصبح مدونة السلوك بمثابة دليل إجرائي داخلي يساعد على سد الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، ويضمن أن بيئة العمل ليست فقط خاضعة للقوانين العامة، بل أيضًا ملتزمة بسياسات داخلية واضحة ومحددة.

