المرأة في القطاع البحري: اتفاقية العمل البحري والعمالة غير المنتظمة كحماية دولية لحقوق النساء

مقالاتي
١١ ديسمبر ٢٠٢٥
زاهيا السبخى

بقلم كوتش / زاهيا السبخى استشارى تدريب وتنمية مهارات

مقدمة

المرأة في القطاع البحري لم تعد غائبة كما في الماضي، بل أصبحت عنصرًا فاعلًا في هذا القطاع الحيوي. فرغم أن البحر ارتبط تاريخيًا بالرجال لقسوته ومتطلباته البدنية، إلا أن السنوات الأخيرة أثبتت أن النساء قادرات على خوض التحدي. ومع انضمام مصر إلى اتفاقية العمل البحري 2006 (MLC, 2006)، ظهرت مظلة دولية لحماية المرأة ودعم العمالة غير المنتظمة، مما يعزز مكانتها ويمنحها حقوقًا واضحة في بيئة آمنة.

حضور نسائي متزايد في قطاع تقليدي ذكوري

اليوم نجد المرأة في القطاع البحري تعمل كضابطات ملاحة، مهندسات بحريات، مفتشات سلامة، باحثات في علوم البحار، وحتى مديرات في شركات شحن عملاقة.
وفي مصر والعالم العربي، بدأت قصص نجاح فردية تفتح الطريق أمام أخريات، مثل خريجات الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بالإسكندرية اللواتي نجحن في العمل كضابطات بحريات.

وفي مصر والعالم العربي، بدأت قصص نجاح فردية تفتح الباب أمام غيرها، مثل فتيات التحقن بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بالإسكندرية ونجحن في العمل على متن سفن تجارية كضابطات بحريات. هذا التحول يعكس أن المرأة ليست بعيدة عن أي مجال، حتى وإن كان مليئًا بالتحديات مثل البحر.

 

المهام التي تؤديها المرأة في القطاع البحري

المرأة البحرية لا يقتصر عملها على المكاتب أو الجوانب الإدارية، بل تقوم بمهام متعددة، أبرزها:

  • العمل على متن السفن كضابط أول، مهندس بحري، أو مسؤول عن الملاحة والاتصالات.
  • الأعمال الفنية والإدارية مثل إدارة شركات النقل البحري، تنظيم العمليات اللوجستية، والتخطيط للشحن.
  • التفتيش البحري والرقابة حيث تعمل بعض النساء كمفتشات للتأكد من تطبيق معايير السلامة والصحة المهنية.
  • الأبحاث العلمية والبيئية المتعلقة بالمحيطات، الثروات البحرية، والتغيرات المناخية.
  • مجالات القانون البحري والتحكيم الدولي حيث تبرز المرأة في صياغة العقود وتسوية النزاعات البحرية.

هذا التنوع في الأدوار يعكس قدرة المرأة على التكيف مع طبيعة العمل البحري الصعبة، وإثبات كفاءتها في مجالات دقيقة ومعقدة.

 

بين التشريع والواقع.. موقع المرأة في القطاع البحري بعد صدور قانون العمل الجديد 14 لسنة 2025″

التحديات التي تواجه المرأة في القطاع البحري

رغم النجاحات، لا تزال المرأة تواجه مجموعة من التحديات التي قد تعيق انتشارها بشكل أكبر في هذا القطاع. ومن أبرز هذه التحديات:

البيئة الذكورية

لا يزال القطاع البحري يُنظر إليه كمجال رجالي في الأساس. وجود المرأة أحيانًا يُقابل بتشكيك أو استغراب، مما يفرض عليها بذل جهد مضاعف لإثبات الذات.

 

ظروف العمل القاسية

الرحلات الطويلة، العزلة على متن السفن لأشهر، تقلبات البحر، وضغط ساعات العمل، كلها ظروف تجعل الاستمرار في هذا المجال تحديًا حقيقيًا، خصوصًا للمرأة التي تتحمل مسؤوليات أسرية.

 

محدودية فرص الترقي والتدريب

النساء غالبًا ما يواجهن صعوبات في الحصول على نفس فرص التدريب العملي أو الترقية إلى مناصب قيادية، مقارنة بزملائهن الرجال.

 

الفجوة بين الحياة الشخصية والمهنية

البُعد عن الأسرة لفترات طويلة، وصعوبة التوفيق بين العمل في البحر ومتطلبات الحياة الأسرية، يمثلان تحديًا بارزًا للمرأة البحرية.

 

التحديات الثقافية والاجتماعية

بعض المجتمعات لا تزال ترى أن العمل في البحر غير مناسب للمرأة، مما يضع ضغوطًا نفسية واجتماعية إضافية عليها.

 

 

هل هناك مهن المحظورة على المرأة في القطاع البحري

من الناحية القانونية، الأمر يتوقف على نوع التشريع المطبق:

بالنسبة ل قانون العمل المصري (رقم 14  لسنة   2025  ) لم يغفل دور المرأة العاملة، حيث نصّ صراحةً على إعداد قائمة بالأعمال التي يحظر تشغيل النساء فيها، إذا كانت هذه الأعمال شاقة أو مضرة صحيًا أو أخلاقيًا. وتشمل هذه القائمة بعض المهن المرتبطة بالتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، أو الأعمال الليلية المستمرة، وذلك في إطار حرص المشرّع على حماية المرأة وضمان بيئة عمل آمنة تحافظ على حقوقها وصحتها.”.

اما قانون التجارة البحرية المصري (رقم 8 لسنة 1990)  لم يحظر بشكل مباشر عمل المرأة على السفن، لكنه وضع اشتراطات متعلقة باللي كيفية التعامل القانوني في هذا السياق و باليااقة الصحية والقدرة على تحمل ظروف العمل .

 

أي ان  امرأة تعمل في القطاع البحري – كمثال: ضابطة أو مهندسة بحريّة – قد تستفيد من حقوق **القطاع الخاص** المنصوص عليها في القانون الجديد فيما يتعلق بالأجور، الإجازات، الحماية من التمييز وغيرها.

* لكن في حال وجود نصوص خاصة في قانون التجارة البحرية أو اتفاقية MLC تُعطي الأفضلية (مثل شروط العمل على متن السفن)، فتُطبّق تلك النصوص الخاصة أولًا  .

 

اذن عمليًا: يمكن للمرأة أن تعمل في معظم المهن البحرية، باستثناء الأعمال التي تحددها اللوائح التنفيذية على أنها ضارة أو مرهقة بشكل مفرط.

 

وبالتالي، لا يوجد حظر مطلق على عمل المرأة في البحر، وإنما الأمر يخضع لشروط السلامة والقدرة البدنية.

 

“المعوقات الخفية أمام المرأة في البحر: ما بين الواقع والتشريع”

رغم أن الاتفاقية ركزت بالأساس على البحارة والعاملين على السفن، إلا أن أهميتها تمتد لتشمل العمالة غير المنتظمة في هذا القطاع، وخاصة النساء، من خلال:

  • ضمان عدم التمييز: الاتفاقية تنص على المساواة في المعاملة بغض النظر عن الجنس، ما يوفر إطارًا دوليًا لحماية المرأة من أي تفرقة.
  • الحماية من الاستغلال: العمالة غير المنتظمة غالبًا ما تكون أكثر عرضة للانتهاكات (أجور منخفضة، ساعات عمل مرهقة)، والاتفاقية توفر مظلة تشريعية دولية للحد من هذه الممارسات.
  • الاعتراف بالحقوق الأساسية: مثل الحق في بيئة عمل آمنة، والحماية من التحرش، وهي نقاط تمس النساء بشكل مباشر.
  • تشجيع الدول على المواءمة التشريعية: ما يعني ضرورة تعديل القوانين الوطنية لتتماشى مع هذه الاتفاقية، وهو ما يفتح الباب لمراجعة القوانين المصرية الخاصة بالقطاع البحري لضمان حماية المرأة العاملة سواء في وظائف منتظمة أو غير منتظمة.

 

هل الاتفاقيات الدولية لها دور  في حماية حقوق المرأة

انضمام مصر في عام 2024 إلى **اتفاقية العمل البحري 2006 (MLC, 2006)** يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز حقوق المرأة في هذا القطاع. الاتفاقية تضمن:

  • المساواة بين الرجال والنساء في الأجور والحقوق.
  • توفير ظروف عمل ومعيشة لائقة على متن السفن.
  • الحماية من التمييز أو المضايقات.
  • آليات للشكاوى والتظلمات تتيح للمرأة المطالبة بحقوقها.

هذه الاتفاقية تعطي دفعة قوية لتمكين المرأة في القطاع البحري المصري، وتجعلها على قدم المساواة مع نظرائها الرجال.

 

مدونة السلوك والعمل البحرى

  • دوليًا: أصدرت IMO وILO مدونات تحظر التمييز والتحرش.

  • وطنيًا: تعمل وزارة النقل المصرية على إعداد لوائح تعزز النزاهة.

  • مؤسسيًا: شركات الملاحة الكبرى لديها مدونات داخلية لمناهضة التمييز.

 

المستوى الدولي

* المنظمة البحرية الدولية (IMO) ومنظمة العمل الدولية (ILO) أصدرتا توجيهات ومدونات سلوك للعاملين بالقطاع البحري، تركز على النزاهة، مكافحة التحرش، والالتزام بمعايير السلامة.

المستوى الوطني

* في مصر، بدأت وزارة النقل وهيئات الموانئ في إعداد لوائح ومدونات سلوك للعاملين، خصوصًا فيما يتعلق بمكافحة الفساد، النزاهة، ومنع التمييز بين الجنسين.

 

المستوى المؤسسي

* معظم شركات الملاحة الكبرى تعتمد مدونات سلوك داخلية تحدد معايير التعامل المهني بين العاملين، وتشمل نصوصًا خاصة بمناهضة التحرش والتمييز ضد المرأة.

 

اذن فوجود هذه المدونات يعزز بيئة عمل أكثر أمانًا للمرأة، ويمكّنها من أداء دورها بكفاءة دون خوف من التمييز أو الإقصاء.

 

وفى الختام

قصة المرأة في القطاع البحري أصبحت اليوم قصة نجاح رغم الأمواج العاتية. ومع دخول مصر اتفاقية العمل البحري 2006، وتفعيل مدونات السلوك، تتسع الفرص أمام النساء لتأكيد أن الكفاءة هي الفيصل في هذا القطاع، وأن البحر لم يعد حكرًا على الرجال فقط.

 

وبالرغم أن البحر ظل لعقود طويلة مساحة يُنظر إليها كعالم ذكوري بامتياز، إلا أن الواقع اليوم يبرهن أن المرأة قادرة على اقتحام هذا المجال بكفاءة واقتدار. فالقطاع البحري لم يعد مقتصرًا على القوة البدنية أو الصلابة وحدها، بل بات يحتاج إلى عقول مبتكرة، وقيادات واعية، وقدرات تفاوض وإدارة عالية، وهي مهارات أثبتت النساء أنهن يمتلكنها بجدارة. ومع تزايد المبادرات الدولية والمحلية لتمكين المرأة، يظل السؤال المطروح: متى نكسر تمامًا الصورة النمطية، ونجعل وجود المرأة في البحر قاعدة لا استثناء؟

 

ومع استمرار تطوير التشريعات وتفعيل مدونات السلوك، ستصبح مشاركة المرأة في القطاع البحري أكثر اتساعًا، ليس فقط في مصر بل في العالم العربي كله، لتؤكد أن البحر للجميع، وأن الكفاءة وحدها هي الفيصل.

عن الكاتب
أ. زاهيا خليل السبخي
أ. زاهيا خليل السبخي