دور المرأة في اقتصاد الرعاية: العمود الخفي للاقتصاد المحلي والتنمية المستدامة

مقالاتي
١١ ديسمبر ٢٠٢٥
زاهيا السبخي

بقلم كوتش / زاهيا السبخى استشارى تدريب وتنمية مهارات

تلعب المرأة العربية دورًا محوريًا في اقتصاد الرعاية، حيث تقوم بعدد كبير من الأنشطة غير مدفوعة الأجر مثل تربية الأطفال ورعاية الأسرة. دور المرأة في اقتصاد الرعاية يمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي في العالم العربي، ومع ذلك لا يحظى بالتقدير الكافي.

تُعتبر المرأة العربية ركنًا أساسيًا في بناء المجتمع، ليس فقط من خلال دورها في الأسرة، بل أيضًا من خلال مساهمتها الكبيرة في اقتصاد الرعاية. اقتصاد الرعاية يشمل الأنشطة غير مدفوعة الأجر التي تقوم بها المرأة داخل الأسرة، مثل تربية الأطفال، ورعاية كبار السن، والاهتمام بالمنزل. ورغم أن هذه الأنشطة غالبًا ما تُهمّش في الحسابات الاقتصادية التقليدية، إلا أنها تلعب دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد المحلي واستقراره.

 

ما هو اقتصاد الرعاية؟

اقتصاد الرعاية يشير إلى الأنشطة التي تُعنى برعاية الأفراد في مختلف مراحل حياتهم. يتضمن هذا الاقتصاد كل ما يتعلق بالرعاية الصحية، والتعليم، وتوفير بيئة منزلية مستقرة. وعلى الرغم من أن معظم هذه الأنشطة تقوم بها النساء بشكل غير مدفوع الأجر، إلا أنها تساهم بشكل مباشر في تعزيز الاقتصاد المحلي من خلال تقليل التكاليف على الخدمات العامة، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.

 

أهمية دور المرأة في اقتصاد الرعاية

تلعب المرأة العربية دورًا محوريًا في اقتصاد الرعاية، حيث تتحمل العبء الأكبر من الأعمال غير مدفوعة الأجر داخل الأسرة. هذا الدور له تأثير كبير على الاقتصاد المحلي، إذ يوفر الموارد المالية التي كانت ستُنفق على الرعاية المدفوعة، ويزيد من استقرار الأسر، مما يؤدي إلى مجتمع أكثر تماسكًا. علاوة على ذلك، تساهم المرأة من خلال دورها في اقتصاد الرعاية في إعداد الأجيال القادمة التي ستكون القوى العاملة المستقبلية، مما يُعزز الاقتصاد على المدى الطويل.

 

الاقتصاد المحلي وارتباطه باقتصاد الرعاية

في العديد من البلدان العربية، يشكل اقتصاد الرعاية جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي. من خلال توفير الرعاية داخل الأسرة، تقلل المرأة من الأعباء المالية على الحكومات والمؤسسات. هذا يعني أن الأموال التي تُوفر يمكن أن تُستثمر في مشاريع تنموية أخرى، مما يعزز النمو الاقتصادي المحلي. بالإضافة إلى ذلك، يسهم اقتصاد الرعاية في تحسين جودة الحياة، مما يُعزز الإنتاجية ويُسهم في بناء مجتمع صحي وقوي.

 

التحديات التي تواجه المرأة في اقتصاد الرعاية

رغم الدور الحيوي الذي تلعبه المرأة في اقتصاد الرعاية، إلا أنها تواجه العديد من التحديات التي تعيق تمكينها واعتراف المجتمع بمساهمتها. من أبرز هذه التحديات

الافتقار للاعتراف الرسمي بجهودها غير المدفوعة، حيث لا تُحسب هذه الأعمال ضمن الناتج المحلي الإجمالي، مما يؤدي إلى تهميش دورها اقتصاديًا.

كما تعاني النساء من الضغط النفسي والجسدي الناتج عن الأعباء المنزلية المستمرة، دون الحصول على دعم كافٍ من أفراد الأسرة أو الدولة.

بالإضافة إلى ذلك، تؤدي الأدوار النمطية المرتبطة بالجندر إلى إعاقة مشاركة المرأة في سوق العمل الرسمي، حيث يُنظر إلى دورها كراعٍ للأسرة على أنه واجب طبيعي وليس خيارًا.

كما تفتقر الكثير من النساء إلى الحماية القانونية والاجتماعية، مثل التأمين الصحي أو التقاعد، رغم أنهن يقمن بأعمال شاقة تعادل في قيمتها الاقتصادية الوظائف الرسمية.

إن هذه التحديات لا تؤثر فقط على النساء، بل تمتد آثارها إلى المجتمع ككل، حيث يُهدر جزء كبير من الطاقات والموارد البشرية التي يمكن أن تساهم في تحقيق التنمية الشاملة.

تمكين المرأة في اقتصاد الرعاية

لضمان استمرارية هذا الدور الهام، يجب تمكين المرأة من خلال توفير التعليم، والفرص الاقتصادية، والسياسات الداعمة. تعزيز دور المرأة في اقتصاد الرعاية ليس فقط مسؤولية فردية، بل هو مسؤولية جماعية تقع على عاتق المجتمع بأسره. تمكين المرأة في هذا المجال يُعزز الاقتصاد المحلي ويُسهم في تحقيق التنمية المستدامة.

 

أمثلة من الواقع وإحصائيات حول حجم عمل المرأة غير المدفوع

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء حول العالم يقمن بثلاثة أضعاف الأعمال غير مدفوعة الأجر مقارنة بالرجال، والتي تشمل الرعاية المنزلية، وتربية الأطفال، والاهتمام بكبار السن.
وفي المنطقة العربية، تصل نسبة عمل المرأة غير المدفوع إلى أكثر من 80% من مجمل الأعمال المنزلية والرعائية، دون أي مقابل مادي أو تغطية قانونية أو اجتماعية.

ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة العمل الدولية (ILO)، فإن النساء العربيات يقدّمن يوميًا ما يعادل 4 إلى 6 ساعات من العمل غير المدفوع في مقابل ساعة إلى ساعتين فقط يقوم بها الرجال. هذه الأرقام تُظهر حجم المساهمة الخفية للمرأة في دعم الاقتصاد المحلي وخفض التكاليف عن الدولة والأسرة.

وبشكل اوضح تشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن النساء حول العالم يقمن بـ 76% من إجمالي ساعات العمل غير المدفوع الأجر، مقارنة بـ 24% فقط للرجال. في المنطقة العربية، ترتفع هذه النسبة بشكل أكبر، حيث تُقدّر ساعات العمل المنزلي غير المدفوع للمرأة بضعف أو ثلاثة أضعاف ساعات الرجل.

وفي دراسة صادرة عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، تبين أن العمل غير المدفوع للنساء يمثل ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول العربية، إلا أنه لا يُحتسب ضمن المؤشرات الاقتصادية الرسمية، مما يُكرّس invisibility (اللا مرئية) الاقتصادية للمرأة.

هذه الأرقام تكشف أن هناك اقتصادًا خفيًا تقوده النساء دون اعتراف رسمي، رغم أنه يوفر خدمات كانت ستُكلف الحكومات مبالغ طائلة لو تم تقديمها عبر مؤسسات رعاية مدفوعة الأجر.

في مصر على سبيل المثال، تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن ما يزيد عن 37% من الأسر تعولها نساء، ومعظم هؤلاء النساء يقمن بأعمال منزلية ورعائية على مدار اليوم دون أي دعم اجتماعي حقيقي.

قصص واقعية لنساء مؤثرات في اقتصاد الرعاية

 لا يمكن نسيان تجربة الدكتورة مها الجمل، الباحثة في الاقتصاد الاجتماعي، التي أطلقت حملة توعية تحت عنوان “اقتصاد الرعاية مش شغل ستات وبس”، والتي سلطت الضوء على ضرورة الاعتراف القانوني والمجتمعي بهذا النوع من العمل، ودفعت بعض الجهات الحكومية لإدراج مؤشرات لقياس العمل غير المدفوع ضمن تقاريرها السنوية.

إلين جونسون سيرليف، رئيسة ليبيريا السابقة، حازت على جائزة نوبل للسلام لدورها في تمكين المرأة، وكانت من الداعمين البارزين للاعتراف بدور المرأة في الرعاية، حيث أقرت خلال حكمها برامج لدعم الأمهات العاملات ومقدّمات الرعاية، وأسست نموذجًا حكوميًا يعترف رسميًا بمساهماتهن.

من التقدير إلى الإدماج: لماذا يجب احتساب عمل المرأة غير المدفوع في السياسات الاقتصادية؟

ما بين الإحصائيات الصادمة وقصص النساء الملهمات، تتضح الحاجة الملحّة لإعادة تعريف “العمل” في المفهوم الاقتصادي. إن الأعمال التي تقوم بها المرأة داخل المنزل لا تقل أهمية عن العمل الرسمي، بل إنها تُشكّل البنية الأساسية التي يقوم عليها استقرار الأسر والمجتمعات. ومع ذلك، لا تزال هذه الجهود خارج معادلات الدخل القومي أو الحماية الاجتماعية.

ولذلك، أصبح من الضروري إدماج عمل المرأة غير المدفوع في السياسات الاقتصادية، عبر:

  • إدراج مؤشرات العمل غير المدفوع ضمن الحسابات القومية.

  • تطوير أدوات لقياس “العمل الرعائي” وتقدير قيمته الاقتصادية الفعلية.

  • وضع سياسات داعمة مثل الإجازات المدفوعة، والتأمينات، ومعاشات للأمهات غير العاملات رسميًا.

الاعتراف الرسمي بعمل المرأة غير المدفوع لا يمنحها فقط حقًا مستحقًا، بل يُعيد هيكلة المفاهيم الاقتصادية على أسس أكثر عدالة وشمولية. فالمجتمع الذي يقدّر ويحتسب كل جهد يُبذل، هو المجتمع القادر على تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة.

وفى الختام

يتضح لنا جليًا أن دور المرأة في اقتصاد الرعاية ليس مجرد نشاط منزلي بسيط، بل هو حجر الأساس الذي يبني عليه المجتمع بأسره. فالمرأة من خلال جهودها اليومية غير مدفوعة الأجر، تساهم في استقرار الاقتصاد المحلي ودعم التنمية المستدامة. لذا، يجب علينا كمجتمع أن نقدر هذه الجهود ونوفر الدعم اللازم للمرأة لتواصل إسهاماتها الحيوية.

ونصيحتي لكل امرأة هي أن تدرك أهمية دورها في اقتصاد الرعاية وأن تطالب بالاعتراف به من قبل المجتمع. فالاعتراف بقيمة هذا الدور ودعمه يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في تحقيق التوازن والتنمية في مجتمعاتنا.

و في نهاية المطاف، لا يمكن إغفال أهمية دور المرأة العربية في اقتصاد الرعاية وتأثيره العميق على الاقتصاد المحلي. من خلال تقدير هذا الدور ودعمه، يمكننا بناء مجتمعات أكثر تماسكًا واقتصادات أكثر قوة واستدامة.

ويجب ان نعمل جميعًا على تمكين المرأة وتقدير دورها الحيوي، فهو المفتاح لاقتصاد مزدهر ومستقبل أكثر إشراقًا.

فدور المرأة في اقتصاد الرعاية ليس رفاهية ولا مسؤولية شخصية فقط، بل هو أساس اقتصادي واجتماعي يستحق التقدير والدعم. علينا كمجتمع أن نعيد النظر في الموروثات والتصنيفات التقليدية، وأن نُطالب بإصلاحات تُعيد للمرأة مكانتها المستحقة كدعامة رئيسية للاقتصاد المحلي.

ونصيحتي لكل امرأة: أدركي قيمة دورك، وطالبي بالاعتراف به، فاقتصاد اليوم والمستقبل يعتمد على جهودك غير المرئية.

عن الكاتب
أ. زاهيا خليل السبخي
أ. زاهيا خليل السبخي