كيف تعزز الأمثال الشعبية العنف الرمزي ضد المرأة؟ تحليل نفسي ومجتمعي

مقالاتي
١١ ديسمبر ٢٠٢٥
زاهيا السبخى

بقلم  كوتش/ زاهيا السبخى استشارى تدريب وتنمية مهارات

الامثال الشعبية في قلب كل مجتمع هى بمثابة الروافد الثقافية التى  تشكّل وعيه، وتوجّه سلوكه، وتنسج صورة أفراده. من بين تلك الروافد تبرز الأمثال الشعبية كأداة خطيرة في تشكيل صورة المرأة، ليس فقط في الوعي الجمعي، بل في السلوك المجتمعي والعلاقات الأسرية.

فرغم أنها جزء أصيل من الفلكلور الشعبي، إلا أنها كثيرًا ما كانت وسيلة لنقل صورة سلبية نمطية عن النساء، تُروَّج وتُتوارث، حتى أصبحت تُستخدم لتبرير العنف المجتمعي والنفسي ضد المرأة.

 

هل الأمثال الشعبية انعكاس للثقافة الذكورية

فالامثال الشعبية تعد تمييز ضد المرأة وتكريس العنف ضدها  وتنعكاس عميق للثقافة الذكورية بالمجتمع مما يولد الخطورة الحقيقية و التي تحملها الامثال الشعبية فى طياتها  و هو ترسيخ وتكريس ظاهرة العنف ضد المرأة والتمييز على أساس النوع الاجتماعي، وقد نالت االنساء مساحة كبيرة من الأمثال والحكم فى الفلكلور الشعبى المصري والتى اغلبها يسخر من المرأة، ويقلل من قيمتها وشأنها، ويضعها في قوالب ثابتة، في أي فعل غير لائق ومهين هو” فعل نسوان ” ؟ والسواقة غير الماهرة هي ” سواقة نسوان ” ؟ والكلام غير الدقيق الذي لا يحمل أي وعود هو “كلام نسوان” .

مما زاد من ظلم المرأة، والعنف المجتمعي تجاهها، والمساهمة في زيادة العنف الممارس ضدها،  فالأمثال الشعبية ليست مجرد عبارات عابرة، بل تمثل خلاصة فكر المجتمعات. في السياق المصري، يظهر بوضوح كيف ترسّخ هذه الأمثال ثقافة التمييز ضد النساء ونلاحظها فى العديد من الكلمات المتوارثة

الأمثال الشعبية دائما تجعل من دور المرأة في المجتمع مقتصرا على تنظيم البيت وقضاء احتياجات أفراد العائلة، والكثير من الأمثال الشعبية قللت من شأن المرأة وضعتها في قالب سلبي، وكثير من الاوقات تعكس الامثال الشعبية  فكر الشعوب وحضارتها، وسلوك أفرادها .

 

هل تساهم  المرأة في تكريس هذة الصورة السلبية

من المفارقات أن المرأة نفسها، بحكم التنشئة والثقافة، قد تكون طرفًا في إعادة إنتاج الصورة النمطية عنها بل وتكريس هذة الصورة السلبية ، عبر تكرار هذه الأمثال أو القبول بها كواقع اجتماعي لا يُمكن تغييره.

 

كيف تعمل الأمثال الشعبية  كمحفز للعنف الرمزي والنفسي دون ان نشعر

الامثال الشعبية تعمل كمحفز رئيسى للعنف الرمزى  و هو العنف الغامض والمستتر والذي يتخفى من وراءة العديد من السلوكيات، ويكون دائما للعنف الركزى نتائجه السلبية لأنه قادر على تغيير المفاهيم، و فرض الكثير من الأفكار بطريقة مبطنة على فئة إجتماعية معينة، وهو ما يعد استخداما غير شرعي للقوة، أو التهديد بإلحاق ضررعلى المراة، ودائما العنف الرمزى  يقترن بالاكراة والتقليل من شأن المراة وقدراتها ومهاراتها، وتقديم الصور السلبية عنها بعض الأمثال لا تكتفي بتقليل قيمة المرأة، بل تدعم العنف النفسي والاجتماعي ضدها ومن أهم الأمثال الشعبية التي تساهم في نشر العنف المجتمعي للمرأة سواء جسديا أو نفسيا أو اقتصاديا .

“ضل راجل ولا ضل حيطة”: دعوة مباشرة لقبول الإهانة خوفًا من الوحدة

“يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للممات”: تهميش للبنت منذ ميلادها

“اكسر للبنت ضلع يطلع لها 24”: تبرير للضرب والعنف الأسري

مثل هذه الأمثال يترك أثرًا نفسيًا عميقًا على المرأة، بداية من تقليل الثقة بالنفس، وصولًا إلى الخضوع والخوف من اتخاذ قرارات مصيرية كالانفصال أو الاستقلال.

 

أمثال  شعبية تهمّش المرأة من مراكز القرار

هناك العديد من الامثال الشعبية  التى تعمل على تهميش المرأة بالعمل وخصوصا مراكز اتخاذ القرار مثال على ذلك

“شورة المرة تخرب الدار سنة”

“ناقصات عقل ودين”

هذة الامثال  الشعبية تدفع باتجاه إقصاء المرأة من مواقع اتخاذ القرار، وكأنها لا تمتلك القدرة على الحكم أو إدارة الأزمات، رغم أن الواقع يشهد بتفوق نساء كثيرات في القيادة والإدارة. لكن رغم كل هذا، لا تزال هذه الأمثال تُستخدم كأداة تبرير وإقصاء.

 

كيف يكون التناقض بين الواقع والموروث

“ضل راجل. ولا ضل حاجة”

“أم البنات مسنودة بخيط، وأم الولاد مسنودة بحيط”

وتعد هذه الأمثال الشعبية  إهانة للمرأة، وفقا للإحصائيات أن حوالي. 37 % من الأسر المصرية يعولها نساء مسؤولات عن تربية أولادهم

 

“يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للممات”

“لما قالولي دا ولد شد ظهري وتسند، ولما قالولي دى بنية مالت الحيطة عليا”

وهذان المثلان يظهران النظرة المجتمعية الدونية للمرأة، وإنها مصدر للخزي والعار وتوضيح مدى ذل انجاب الإناث

وقد أغفل المجتمع قول رسولنا الكريم “صلى الله عليه وسلم” أن البنات المؤنثات الغاليات . وأن العبرة بالعمل الصالح والتنشئة السليمة، والحسنة .

فهذة الأمثال الشعبية  تسبب قلة الثقة بالنفس لدى المرأة منذ الصغر والشعور بأنها مصدر للخيبة  , وإنها عبء على المجتمع

 

“اكسر للبنت دا إللي يطلعلها 24”

هذا المثل  الشعبى يرسخ استباحة المجتمع، وقبول العنف للمرأة لتعديل وتقويم سلوكها، واتخاذ العديد من الأسر لهذا المثل يعد مبررا للعنف والتمييز ضدها .

 

فالاْمثال الشعبية  السابقة  تدفع العديد من النساء فى المستقبل بتربية اولادها بنفس النمط وهو ما يعد تكريس واعادة انتاج للعنف .

ولكن وبالرغم من كل ما سبق، فهناك من النساء من تملك الإرادة والعزيمة القوية لتحقيق دورها الفعال في المجتمع، وتمتلك من القوة والقدرة على مواجهة التحديات والصعوبات، فهي نصف المجتمع والشريك الأساسى في نموة وتطورة وتقدمة

وعلى جميع الأصعدة ، سواء العلمية أو الإنسانية، وإثبات قدرتها على القيادة والإبداع، وتقلدها أعلى المناصب. واقتحام العديد من الميادين .

فالتاريخ المصري ذاته يُكذّب هذه الأمثال  الشعبية بشكل جذرى فأول قاضية ووزيرة عدل في التاريخ كانت مصرية (نبت)

وكانت “ماعت”، رمز العدالة والنظام في الحضارة الفرعونية، كانت امرأة

 

الأثر النفسي الممتد عبر الأجيال من هذة الموروثات

المرأة التي تتربى على أمثال شعبية  تقلل من قيمتها، قد تُصاب منذ الطفولة بضعف الثقة بالنفس، وتطوّر مشاعر القهر والظلم والخوف من المجتمع، وربما تُسقط هذه المعاناة على بناتها، فتتكرر الدورة من جديد.

 

دعوة للتحرر من الموروث المؤذي

على الرغم من جذور هذه الأمثال الشعبية  في التراث الشعبي، فإن الوقت قد حان لإعادة النظر فيها، وفهم أثرها النفسي والاجتماعي، والعمل على إنتاج خطاب ثقافي جديد يكرّس العدالة والمساواة. فالمرأة ليست ظلًا ولا عبئًا، بل هي قائدة، ومربية، وصانعة مستقبل.

 

وفى الختام

إذا كنا نرغب في مجتمع عادل وإنساني، فعلينا أن نبدأ من اللغة التي نتداولها، ومن الأمثال  الشعبية التي نرددها. ولنبدا بتغير الموروث و تحديثه بما يتوافق مع كرامة الإنسان وحقوق وكرامة  المرأة فى المجتمع .

شاركينا فى التعليقات ؟ هل هناك مثل شعبي ترينه ظالمًا بحق النساء؟

عن الكاتب
أ. زاهيا خليل السبخي
أ. زاهيا خليل السبخي